وهبة الزحيلي

207

التفسير المنير في العقيدة والشريعة والمنهج

حرفوا التوراة في الزاني المحصن والاقتصاص من القاتل المعتدي ، فأصبحوا كافرين غير مؤمنين لا بموسى والتوراة ولا بمحمد والقرآن . أخرج ابن جرير الطبري عن أبي صالح قال : الثلاث الآيات التي في المائدة : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ . . إلخ ليس في أهل الإسلام منها شيء ، هي في الكفار « 1 » . قال الرازي : وهذا ضعيف ؛ لأن الاعتبار بعموم اللفظ لا بخصوص السبب . ثم نقل عن عكرمة : قوله : وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ إنما يتناول من أنكر بقلبه وجحد بلسانه ، أما من عرف بقلبه كونه حكم اللّه وأقر بلسانه كونه حكم اللّه ، إلا أنه أتى بما يضاده ، فهو حاكم بما أنزل اللّه تعالى ، ولكنه تارك له ، فلا يلزم دخوله تحت هذه الآية . ثم قال الرازي : وهذا هو الجواب الصحيح ، واللّه أعلم « 2 » . والخلاصة : أن التكفير هو لمن استحل الحكم بغير ما أنزل اللّه ، وأنكر بالقلب حكم اللّه ، وجحد باللسان ، فهذا هو الكافر . أما من لم يحكم بما أنزل اللّه ، وهو مخطئ ومذنب ، فهو مقصر فاسق ، مؤاخذ على رضاه الحكم بغير ما أنزل اللّه . ولما جعل اليهود دية النضيري أكثر من دية القرظي ، ومنعوا أن يقتل به أي يقتص منه ، مخالفين حكم التوراة وحكم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حين سألوه ، نزلت هذه الآية لبيان تشريع القصاص : وَكَتَبْنا عَلَيْهِمْ فِيها . . . أي فرضنا في التوراة التماثل والمساواة في القصاص ، فتقتل النفس بالنفس ، وتفقأ العين بالعين ، ويجدع الأنف بالأنف ، وتقطع الأذن بالأذن ، ويقلع السن بالسن ، ويجري القصاص في الجروح ، أي يعتبر فيها المساواة بقدر الاستطاعة . فالآية تدل على جريان القصاص في كل ما ذكر ، وقد أخذ أبو حنيفة : أن

--> ( 1 ) تفسير الطبري : 6 / 163 ( 2 ) تفسير الرازي : 12 / 6